18‏/09‏/2016

تاريخية الصراع ودلالاتها الفكرية

الكاتب: الشيخ نزار الحسن
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد الخامس والثلاثون، ١٤٣٦ هـ

خُيّل للعديد مّمن كتب في المسائل العقدية ومشروعيتها كالزيارة -مثلاً- والدفاع عنها، أو معارضتها، أنّ بداية ظهور هذه المسألة كانت على قلم شيخ السلفّية ورائد الإتّجاه التكفيري في العالم الإسلامي، ابن تيمية (661 – 728 هـ)، وغاب عنهم أنّ الموضوع ليس بهذه السهولة من التناول، بحيث يفلح شخص مسكون بالنزعة العدوانّية في جعله محوراً جدليّاً محموماً لم تسكتْ الألسن والأقلام عليه حتى الساعة.
إنّ الشيخ المذكور لم يقفز على ساحة الفكر والكتابة من فراغ، أو مفاجأة لم يكن لها سابقة أو وجود في الحقيقة والواقع، إنّ الموضوع أعلاه يمثل واحداً من أهم وأخطر الوجوه الثقافّية المسيطرة على قطاع واسع من بلدان العالم الإسلامي، ومنهم رؤيوي يتمتّع بخصوصيات وآراء واضحة ومشهورة لدى الجميع، كانت بدايات تأسيسه منذ فترات زمنيّة مبكّرة من تاريخ الدولة الإسلامّية، وتحديداً مع بدء نشوء مؤسّسة الخلافة الإسلامّية.
نذكّر في هذا السياق -ولا نُريد فتحُ ملّفات في هذا الموضوع خوف الإطالة- وبنحوٍ سريع، إلى عمليّات إجرامية شنيعة سبقت ابن تيمية، كهدم قبر الإمام الحسين عليه السلام على أيدي جملة من الملوك -الخلفاء- أبرزهم الخبيث المتسافل المتوكّل العباسي الذي تفنن في العداء والتهتّك، قال المؤرخ المشهور ابن طباطبا في ترجمته: «كان المتوكّل شديد الانحراف من آل علي عليه السلام، وفعلَ من حرث قبر الحسين عليه السلام ما فعل، وأبى الله إلّا أنْ يُتمَّ نوره...». (الفخري في الأداب والسلطانية والدول الإسلامية، ص337).
ومن قبله هارون اللارشيد وغيرهم، ومن الضروري التطرق إلى كلمات الحجّاج السخيفة التي عاب بها على حشود الزائرين القاصدين زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله في المدينة، ويتجاهلون قصر أميره (عبدالملك بن مروان) بقوله : «تباً لهم ! يطوفون بأعواد ورمّة بالية، هلّا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان؟ ألايعلمون أنّ خليفة المرء خيرٌ من رسوله».(الكامل للمبّرد، ص222).
والجدير بالإشارة أنّ هذه الكلمات المسموعة كانت قد تردّدت على لسان الحجّاج في أكثر من مناسبة، حيث حاول يومياً على ذات الصعيد أنْ يستدل على أنّ قيمة الخليفة تفوق قيمة الرسول بقوله من على المنبر : «أرسول أحدكم في حاجتة أكرم عليه أم خليفته في أهله». (سنن أبي داود، ج4 ، ص 309).
ولنا أنْ نتساءل: أين هذه المحاولات المتقدّمة تاريخياً من مواقف ابن تيمية الذي عاش وتوفّي من سنة (661 – 728 هـ) أنّه ومَن تلاه من التكفيريّين والوهابيّين قد نهلوا من هذه المياه الآسنة بلا أدنى شكّ، بَيْد أن قنوات هذه المياه تمتدّ طويلاً لتصل إلى منابعها الأساسيّة التي رفدت الاتجّاه المناوئ بهذه الرؤى والمواقف، وذلك ما نسلّط الضوء عليه في مقالٍ مفصّل إنْ شاء الله تعالى .
هذه إشارة الى بعض منابع ومصادر الفكر التكفيري السلفي الذي نعيش ويلاته من شتى أنواع الفتن والمحن والإجرام، فهذه أصول وبذور المدرسة اللإنسانية السلفية البغيضة.