18‏/09‏/2016

بماذا يجب أن يتصف الداعي إلى الله -عز وجل-؟

الكاتب: الشيخ علي العيسى
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد السادس والسابع والعشرون، ١٤٣٥ هـ

من خلال استعراض جانب من حياة هذا الإمام العظيم موسى بن جعفر عليها الصلاة والسلام نتعلم كيف يجـب أن يكون الداعي إلى الله تعالى، إذ أن الداعـي إلـى الله سبحـانه يجـب أن يكـون متميـزاً بميــزات لا توجـد عنـد الآخرين أو نقول: لا يتحمل ثقلها أي أحد، فنفهم من هذا بأن الداعـي إلى الله جل جلالـه يجب أن تكون عنـده شروط، وسيكون حديثنا بهذه المناسبـة عن أهم وأول ومصـدر الشـروط كلهـا وهـو تطبيـق هـذه الآيـة الكريمـة التالية الذكـر: «وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ» (سورة الحجر، آية 65) وسيكون كلامنا حـول باطن الآية الكريمة ونريد أن نعرف ما هي الجهـة التـي نُهـوا عـن الإلتفـات إليهـا فنقـول: كـل مخلـوق لـه (اعتباران) أو قل: «جهتان» جهة من الرب سبحانه وجهة من المربـوب جهـة مـن الخالـق وجهـة مـن المخلـوق، وقـد أشـار سبحانـه إلى هاتين الجهتين في قولـه: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ». (سورة يس، آية 82) فقـوله تعالى: «كُـنْ» هـي جهــة الله تبـارك وتعالـى وقولـه: «فَيَكُـونُ» هـي جهـة العبـد، والمفـروض علـى الإنسـان أن يكون دائماً ناظراً إلى الإعتبار الذي من الله تعالى بحيث ينظر دائماً ماذا يريـد الله تعالـى منـه ومـاذا لا يريـد ولا تأخذه في الله لومة لائم، فجهة العبـد هي الجهة المقصـودة في الآيـة الكريمـة: «وَلاَ يَلْتَفِـتْ مِنكُـمْ أَحَـدٌ وَامْضُـواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ» لأن العبد بمجرد أن ينظـر إلى جهتـه ينشغل عن جهـة الله جـل جلالـه والله تعالـى قـال وقولـه الحق: «مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ». (سورة الأحـزاب، آية 4) فإذا انشغـل بجهـة انشغـل عـن الجهـة الأخرى وإذا نظرنا في الوجود بأسره يستحيل أن نجد أحداً طبق هذه الآية غير محمـد وآله الطاهريـن صلـى الله عليهم أجمعين، حتى الأنبيـاء والمرسلون لم يطبقوها كما طبقها أهل البيت أرواحنا فداهم ولهذا صدر منهم تـرك الأَوْلى كما في قصة آدم وحواء فقد كان الأَوْلى أن لا يأكلا من تلك الشجرة ولكنهما أكلا منهـا، كما في الآية الكريمـة «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ» (سورة البقرة آية، 35) بينما أهـل البيت عليهم الصلاة والسلام لم يصدر منهم ترك الأَوْلى، فيكونون متميزيـن على الخلق أجمعين، ونحن لا نقصـد التنقيص من مقام الأنبيـاء عليهم السـلام أبداً ولا نقبـل ذلك بـل ونعتقـد بأنهـم طبقـوا هـذه الآيـة المباركـة ولكـن حسب مقامهم ولكن هـل تطبيق الأنبيـاء والمرسليـن للآيـة الكريمـة كتطبيـق أهل البيـت سلام الله عليهـم؟ حتمـاً لا، إذاً نعـود ونقـول: بـأن أهـل البيـت صلوات الله وسلامه عليهـم يبقـون متميزيـن علـى سائـر الخلـق مـن غيـر أي استثناء، فلــو أخذنا هذا كله وعرضاه على حياة الإمـام الكاظـم عليـه الصلاة والسلام لوجدنـا التطابـق بعينـه فقـد عاش سلام عليه أربعة عشـر سنـة في السجـون وراح يشـق طريقـه ويؤدي دوره كإمـام مـن الأئمـة الأطهـار أرواحنـا لهم الفداء، فقد عانى الإمام ما عاناه ولكنـه استمـر فـي تبليغـه لرسالة الله تعالى ولم يلتفت إلى جهته بل كان وبقـي ومازال ناظراً إلى جهة الرب تعالى، فإنـه من الذين خاطبهـم الإمام الهادي عليه الصلاة والسلام في الزيارة الجامعة الشريفة: «وَبَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي مَرْضَاتِه» وهنا الإمام الهـادي عليه الصلاة والسلام في هذه الفقرة الشريفة إلى الإعتبارين اللذين مـر عليكـم ذكرهـا فلمـا يقـول الهـادي عليـه السلام : «وَبَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ» هو الإعتبار الذي مـن العبد ولما يقـول: «فِي مَرْضَاتِهِ» وهـو الإعتبـار الـذي مـن الرب وهذا كان على مصراعيه من إمامنا الكاظم سلام الله عليه، ونحـن نعرف أيها الأحبـة بأن البعض مثـلاً لما يريد أن ينزل إلى قرية ليهدهم يبقى يفكر في نفسه ماذا ستكون ردة الفعـل منهـم؟ ربما يضربوننـي أو ربمـا يهينوننـي أو ربما يسبونني، أما أهـل البيت عليهم السلام لا يبالون ولا يفكرون في هـذا أبـداً، والبعـض يتحمـل الإهانـات مـرة
ومرتين وأكثر ثم يترك الأمـر، بينمـا أهـل البيـت سـلام الله عليهـم يستمـرون، وهذا إمامنـا الكاظـم صلـوات الله وسلامه عليهم أعظم مثال على ذلك لقد وضعوا الإمام عليه السلام في سجن عام مع المجرمين والساقطين والمنحطين أجلَّكم اللـه ولكن دعونـا نتسـاءل هـل الإمـام أخذ لـه زاوية وتركهـم وشأنهـم؟ لا واللـه فقـد بقـي الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام يأخذ ويعطي معهم فـي الكلام حتـى حولهـم إلـى حالة مـن الزهـد والتقـى والورع فقد أصبحوا يسجدون إذا سجد الإمـام ويركعـون إلـى ركـع الإمـام وهكـذا، وهـذا الوضع والحال أخاف السلطـات العباسيـة وجعلهـا في حالـة مـن الإضطـراب لذلك أخرجــوه مـن السجـن الجماعي ووضعوه في سجن انفرادي لوحده ومع هذا لم يترك دوره كإمام ، حتى الشخص الذي كان يجلب له الطعام هـداه إلـى سواء السبيل وحوله إلى حالة من الزهد والعبــادة حتـى أن اللعـين هـارون العباسي عليـه لعائـن الله أرسـل لـه جاريـة آيـة في الجمـال لتشغلـه عـن الله تعـالى ولكـن بيـن عشيـة وضحاهـا أصحبـت تسجـد مـع الإمـام وتركـع مع الإمام سلام الله عليه.