18‏/09‏/2016

تحقيق في بعض مُجريات واقعة الهجوم على الزّهراء

الكاتب: الشيخ أحمد سلمان
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد الخامس والثلاثون، ١٤٣٥ هـ

 من الاشكالات التي أثارها البعض هو كيف يعقل أن يهاجم بيت الزهراء بهذه الوحشية دون ينكر أحد من الصحابة الذين عرفوا مقامها وفضلها وقربها من رسول الله وبالخصوص بني هاشم؟
والأهم من هذا كيف يمكن أن يقوم هؤلاء بهذا الانقلاب الكبير -والذي كان الهجوم على بيت فاطمة حلقة فيه- والحال أنّ هناك كثيراً من الصحابة عرفوا فضل أمير المؤمنين بل وبايعوه في غدير خم كما هو معروف.
ولعلّ أوّل من أثار هذه القضية الفضل بن رزبهان وبهذا نعلم بطلان ما ذكره ابن روهزبان في الاعتراض على هذه الحادثة حيث قال: «إنّ عيون بني هاشم وأشراف بني عبد مناف وصناديد قريش كانوا مع علي، وهم كانوا في البيت وعندهم السيوف اليمانية، وإذا بلغ أمرهم إلى أن يحرقوا من في البيت، أتراهم طرحوا الغيرة وتركوا الحمية رأساً ولم يخرجوا بالسيوف المسلة فيقتلوا من قصد إحراقهم بالنار». (دلائل الصدق، 3/80).
وقال في مورد آخر: «إنّ أمراء الأنصار وأكابر الصحابة كانوا مسلمين منقادين محبين لرسول الله، أتراهم سكتوا ولم يكلموا أبا بكر في هذا، وإن إحراق أهل بيت النبي لا يجوز ولا يحسن»؟
والجواب على هذه الشبهة:
(أولاً) التخطيط المسبق للانقلاب:
من يتتبع كتب التاريخ يجد أنّ عمليّة إزاحة أهل البيت والانقلاب عليهم كان أمراً مخطّطاً له من البداية، ولم يكن موقفاً وليد الساعة، بل بدأ التحضير له قبيل سنوات من استشهاد النبي!
ويدلّ على هذا حديث الصحيفة المشهور والمستفيض في كتب الأحاديث عند الشيعة، فقد نقل ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي الخبر بسنده: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: «(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم)، قال: نزلت هذه الآية في فلان وفلان وأبي عبيدة الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة حيث كتبوا الكتاب بينهم وتعاهدوا وتوافقوا: لئن مضى محمد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبداً، فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية، قال: قلت: قوله عز وجل: (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون). قال: وهاتان الآيتان نزلتا فيهم ذلك اليوم، قال أبو عبد الله: لعلّك ترى أنه كان يوم يشبه، يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين وهكذا كان في سابق علم الله عز وجل الذي أعلمه رسول الله أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين وخرج الملك من بني هاشم فقد كان ذلك كله». (الكافي، 8/180).
وقد نصّت الروايات الشريفة أنّ هذه الصحيفة هي التي كانت مقدّمة لما جرى على أهل البيت كما في احتجاج أمير المؤمنين في سقيفة بني ساعدة على المتآمرين، قال: «لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة: إنّ قتل الله محمداً أو مات لتزون هذا الأمر عنا أهل البيت، فقال أبو بكر: فما علمك بذلك؟ ما أطلعناك عليها، فقال : أنت يا زبير وأنت يا سلمان وأنت يا أبا ذر وأنت يا مقداد، أسألكم بالله وبالإسلام، أما سمعتم رسول الله يقول ذلك وأنتم تسمعون: إنّ فلاناً وفلاناً -حتّى عدّ هؤلاء الخمسة- قد كتبوا بينهم كتاباً وتعاهدوا فيه وتعاقدوا أيماناً على ما صنعوا إن قتلت أو مت؟ فقالوا: اللهم نعم، قد سمعنا رسول الله يقول ذلك لك: إنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا، وكتبوا بينهم كتاباً إن قتلت أو مت أن يتظاهروا عليك وأن يزووا عنك هذا يا علي». (كتاب سليم، 155). وهذه الصحيفة هي التي أرادها أمير المؤمنين في الحديث المشهور عنه بين الخاصة والعامة: «ما أحبّ أن ألقى الله بصحيفة أحد، إلّا بصحيفة هذا المسجى». (المتمنين، 89).
فالقوم قد فهموا من الحديث مدحاً للرجل، وذلك لتوهمهم أنّ الصحيفة المقصودة هي صحيفة أعماله والحال أنّ الصحيفة المقصودة هي التي كتبت في الكعبة، كما بيّن ذلك الإمام الصادق عندما سئل عنها، فقد روى الشيخ الصدوق بسنده: عن مفضل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله، عن معنى قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما نظر إلى الثاني وهو مسجّى بثوبه: «ما أحد أحبّ إلي أن ألقى الله بصحيفة من هذا المسجّى، فقال: عنى بها الصحيفة التي كتبت في الكعبة». (معاني الأخبار، 412).
بل صرّح أمير المؤمنين بهذا كما في كتاب سليم: «فقام عند ذلك علي -وغضب من مقالة طلحة- فأخرج شيئاً قد كان يكتمه، وفسر شيئا قد كان قاله يوم مات عمر لم يدروا ما عنى به، وأقبل على طلحة –والناس يسمعون- فقال: يا طلحة، أما والله ما من صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلي من صحيفة هؤلاء الخمسة الذين تعاهدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع : إنّ قتل الله محمداً أو مات أن يتوازروا ويتظاهروا علي فلا أصل إلى الخلافة».(كتاب سليم، 204).
فمن خلال هذه الروايات يتبيّن أنّ القوم قد خطّطوا لهذا الفعل مسبقاً وهذا ما يفسّر خوفهم الشديد يوم الخميس من كتابة رسول الله أي شيء قد يكون هادماً لمشروعهم.
وهذا ما استظهره عبد الرحمن بن الجوزي من رزية الخميس حيث نصّ أنّ النبي عزم على النصّ على الخليفة من بعده، قال: «اختلف العلماء في الذي أراد أن يكتب لهم على وجهين أحدهما أنه أراد أن ينص على الخليفة بعده والثاني أن يكتب كتاباً في الأحكام يرتفع معه الخلاف والأول أظهر».(كشف المشكل، 1/497).
وعليه فإنّ الأمر كان مفاجأة بالنسبة لعامّة الناس بخلاف هؤلاء الذين استعدّوا جيداً لأي معارضة أو مقاومة ستكون ضدّهم.
(ثانياً) خروج خلّص الصحابة من المدينة:
في الأيام الأخيرة شدّد رسول الله على وجوب الالتحاق بجيش أسامة بن زيد والمشاركة في جهاد الروم، وقد استجاب خلّص الصحابة لهذا النداء لا سيما الذين عيّنهم النبي بالأسماء فانضموا إلى هذا المعسكر الذي كان خارج المدينة.
وقد أكدّ ابن كثير على هذا المعنى بقوله: «وقد انتدب كثير من الكبار من المهاجرين الأولين والأنصار في جيشه فكان من أكبرهم عمر بن الخطاب». (البداية والنهاية، 5/242).
وذكر الذهبي في سيره في ترجمة أسامة: «استعمله النبي على جيش لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار، فلم يسر حتى توفي رسول الله». (سير أعلام النبلاء، 2/498).
أمّا الذين في قلوبهم شيء؛ فإنّه عصوا أمر رسول الله فطعنوا في إمارة أسامة بزعم أنّه صغير السن ورفضوا المبادرة للخروج والانضمام إلى جيشه، وقد نقل لنا البخاري كيف أثاروا بلبلة حول هذا الجيش. قال: «بعث النبي بعثاً، وأمّر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته فقال النبي: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل». (صحيح البخاري، 4/213).
والعجيب من الشهرستاني صاحب الملل كيف جمع المتناقضات في كلامه حول هذه الحادثة، فهو الذي نقل أنّ النبي لعن المتخلفين عن جيش أسامة، وفي المقابل برّر لهم بعذر أقبح من ذنب. قال: «الخلاف الثاني في مرضه أنّه قال جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه، فقال قوم يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة وقال قوم قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه فنصبر حتى نبصر أي شئ يكون من أمره». (صحيح البخاري، 4/213).
هكذا يكتمل المشهد أكثر بالنسبة للقارىء فكبار الصحابة لاسيما المخلصين منهم خرجوا في جيش أسامة امتثالاً لأمر نبيهم وفي المقابل بقيت في المدينة الشرذمة التي طعن في إمارته وخالفت أمر تنصيبه.
(ثالثاً) سرعة تنفيذ المشروع:
العامل الثاني المهم؛ هو السرعة العجيبة التي نفذوا بها مشروعهم، فمن يربط بين الأحداث يجد أنّ عملية بيعة السقيفة تمت قبل دفن النبي ومطالبة الإمام علي بالبيعة للخليفة الأول كان في نفس اليوم!
وهذا صريح رواية سليم  على لسان سلمان المحمدي. قال: «فأخبرت عليا -وهو يغسل رسول الله- بما صنع القوم، وقلت: إنّ أبا بكر الساعة لعلى منبر رسول الله، ما يرضون يبايعونه بيد واحدة وإنهم ليبايعونه بيديه جميعاً بيمينه وشماله. (كشف المشكل، 1/497).
وكذلك نصّ كلام الزهراء الذي نقله ابن قتيبة الدينوري. قالت: «لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقاً.(الإمامة والسياسة، 1/20).
فهذه السرعة هي التي تفسّر غياب أغلب الصحابة عن الساحة في ذلك الوقت إذ أنّ الأغلبية الساحقة كانت مصدومة بهذا الخطب الجلل وهو وفاة الرسول الأكرم وبالخصوص أهل المدينة، أمّا بقية المدن الأخرى والبلدان خارجها فكلّ هذه الأحداث تمّت وانتهت قبل أن يبلغهم حتى خبر موت رسول الله.
وبعد أن وصل لهم الخبر وعلموا بما حصل؛ قاموا بانتفاضتهم الشهيرة التي زيفتها كتب التاريخ وحرفت دوافعها وعرفت بين الناس بحروب الردة للأسف الشديد.
ومن الشواهد على هذا ما نقله الطبرسي في احتجاجه عند نقله لكتاب الخليفة الأول لأسامة بن زيد. قال: «عن الباقر أنّ عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: اكتب إلى أسامة بن زيد يقدم عليك، فإنّ في قدومه قطع الشنيعة عنا، فكتب أبو بكر إليه: من أبي بكر خليفة رسول الله إلى أسامة بن زيد: (أمّا بعد فانظر إذا أتاك كتابي فاقبل إلي أنت ومن معك، فإن المسلمين قد اجتمعوا علي وولوني أمرهم فلا تتخلفن فتعصي ويأتيك مني ما تكره والسلام) قال: فكتب أسامة إليه جواب كتابه: من أسامة بن زيد عامل رسول الله على غزوة الشام، أمّا بعد فقد أتاني منك كتاب ينقض أوله آخره، ذكرت في أوّله أنّك خليفة رسول الله، وذكرت في آخره أنّ المسلمين قد اجتمعوا عليك فولوك أمرهم ورضوك، فاعلم أني ومن معي من جماعة المسلمين والمهاجرين فلا والله ما رضيناك ولا وليناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله وتخليهم وإياه فإنهم أحق به منك، فقد علمت ما كان من قول رسول الله في علي يوم الغدير، فما طال العهد فتنسى، انظر مركزك ولا تخالف فتعصي الله ورسوله وتعصي من استخلفه رسول الله عليك وعلى صاحبك، ولم يعزلني حتى قبض رسول الله وأنك وصاحبك رجعتما وعصيتما فأقمتما في المدينة بغير إذن».(الاحتجاج، 1/114).
فإذا كان أسامة بن زيد الذي هو من أهل المدينة والذي عسكر مع جيشه على بعد ثلاثة أميال من المدينة لم يعلم بحصول شيء إلّا بعد ورود هذا الكتاب من الخليفة الأول، فكيف يستشكل علينا عدم تدخل الصحابة؟
(رابعاً) استعمال سلاح الترهيب:
لعلّ أهم عامل أنجح الانقلاب المشؤوم وكان له الدور الأكبر في كلّ ما حصل؛ هو استعمال حزب السقيفة لسلاح الترهيب تجاه الأعداء ومن يحتمل فيه العداء بل حتى في الأطراف المحايدة!
وهنا قد يسأل القارىء: كيف استطاعت هذه الفئة الصغيرة أن ترهّب  كلّ سكّان المدينة وتجبرهم على البيعة، بل وتعتدي على مثل أمير المؤمنين والزبير وسعد بن عبادة وغيرهم؟!
والجواب؛ هو أنّ القوم قد تحالفوا مع قبيلة (بنو أسلم) وخطّطوا لاحتلالهم المدينة واجبار عامّة الناس على بيعة الخليفة الأول وموالاة أصحاب السقيفة.
وهذه بعض النصوص التي تفصّل لنا ما حصل:
منها ما نقله سليم بن قيس عن البراء بن عازب الذي شهد الموقف. قال البراء بن عازب: «فلما قبض رسول الله ݕ تخوفت أن تتظاهر قريش على إخراج هذا الأمر من بني هاشم، فلمّا صنع الناس ما صنعوا من بيعة أبي بكر أخذني ما يأخذ الواله الثكول مع ما بي من الحزن لوفاة رسول الله ݕ فجعلت أتردّد وأرمق وجوه الناس، وقد خلا الهاشميون برسول الله لغسله وتحنيطه، وقد بلغني الذي كان من قول سعد بن عبادة ومن اتبعه من جهلة أصحابه، فلم أحفل بهم وعلمت أنه لا يؤول إلى شئ، فجعلت أتردّد بينهم وبين المسجد وأتفقد وجوه قريش، فإنّي لكذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر، ثم لم ألبث حتى إذا أنا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة قد أقبلوا في أهل السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمر بهم أحد إلا خبطوه، فإذا عرفوه مدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر، شاء ذلك أم أبى». (كتاب سليم، 138).
وقد نقل الشيخ المفيد رواية شبيهة إلّا أنّها أكثر تفصيلاً. قال: «كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليتماروا منها فشغل الناس عنهم بموت رسول الله صلى الله عليه وآله فشهدوا البيعة وحضروا الأمر فأنفذ إليهم عمر واستدعاهم وقال لهم خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول الله واخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه، قال والله لقد رأيت الأعراب تحزموا، واتشحوا بالأزر الصنعانية وأخذوا بأيديهم الخشب وخرجوا حتى خبطوا الناس خبطا وجاؤا بهم مكرهين إلى البيعة». (الجمل، 59. كما نقله ابن أبي الحديد في شرحه للنهج، 219).
وهذه الرواية تؤكد أنّ الأمر كان مخططاً له، فدخول هؤلاء الأعراب كان بصورة انسيابية بحيث لم يلاحظ أحد دخولهم، وما إن حانت ساعة الصفر حتى لبسوا لبس الحرب وبدؤوا حملتهم على كلّ من عارضهم!

ولا يظن القارىء الكريم أنّ هذه الروايات من مرويات الشيعة فقط، فكتب التاريخ السنيّة قد نقلت جزءاً من هذه الحقيقة، فقد نقل الطبري في تاريخه هذا النص الخطير؛ قال: «أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر».(تاريخ الطبري، 2/459).
فلو كان الأمر كما يصوّر الطرف الآخر شورى واتفاق فلماذا عبّر عمر بن الخطاب عن هذه البيعة بأنّها نصر؟ ألا تدلّ هذه العبارة على أنّ القوم كانوا يخوضون حربا؟
ونقل ابن الأثير في الكامل نصّاً آخر يثبّت هذا المعنى، قال: «وجاءت أسلم فبايعت فقويَ أبو بكر بهم وبايع الناس بعد».(الكامل في التاريخ، 2/331).
علماً؛ أنّ صاحب الاحتجاج قد أورد نصّاً صريحاً ذكر فيه عدد هؤلاء الأعراب الذين حاصروا المدينة وأهلها. قال:«...فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم؟ وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه».(الاحتجاج، 1/104).
(خامساً) بنو هاشم في المدينة:
أضف إلى هذا أنّ بني هاشم لم يكن لهم ذلك الحضور القوي في المدينة المنورة، بل كانوا قلّة قليلة جدّا؛ فعدد رجال بني هاشم الذين كانت عندهم القدرة على حمل السلاح، وحماية بيت الزهراء لا يصل إلى العشرة.
وقد أجاب الأئمة على هذه الإثارة، فقد روى ثقة الإسلام الكليني عن سدير قال: «كنّا عند أبي جعفر فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم واستذلالهم أمير المؤمنين، فقال رجل من القوم: أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد؟ فقال أبو جعفر: ومن كان بقي من بني هاشم؟ إنّما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثاً عهد بالاسلام: عباس وعقيل وكانا من الطلقاء أما والله لو أن حمزة وجعفرا كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما». (الكافي، 8/190).
بل إنّ أمير المؤمنين قد أجاب على هذا السؤال في حياته. قال: «ثم حملت فاطمة وأخذت بيد ابني الحسن والحسين، فلم أدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله في حقي ودعوتهم إلى نصرتي، فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة رهط: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أما حمزة فقتل يوم أحد، وأما جعفر فقتل يوم مؤتة، وبقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين عاجزين: العباس وعقيل، وكانا قريبي العهد بكفر. (كتاب سليم، 216).
فهذا الاشكال مبني على جهل صاحبه ببني هاشم وعددهم وحالهم في تلك الحقبة.
(سادساً) الإمام  علي عليه السلام يستنصر الصحابة:
من الأمور المهمّة التي نقلها التاريخ هي أنّ أمير المؤمنين قد استنصر الصحابة وطلب منهم المعونة أمام هذه الهجمة الشرسة التي يتعرّض لها البيت العلوي. فقد نقل سليم بن قيس الهلالي في كتابه مشهداً محزناً لاستنصار أمير المؤمنين للصحابة على لسان معاوية، قال: «إنّا قد رأيناك بأعيننا، فلا نحتاج أن نسأل من ذلك غيرنا، رأيتك حملت امرأتك فاطمة على حمار وأخذت بيد ابنيك الحسن والحسين -إذ بويع أبو بكر- فلم تدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة إلا دعوتهم واستنصرتهم عليه فلم تجد منهم إنساناً غير أربعة: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير، لعمري لو كنت محقا لأجابوك وساعدوك ونصروك، ولكن ادعيت باطلاً وما لا يقرون به، وسمعتك أذناي وأنت تقول لأبي سفيان- حين قال لك: (غلبت يا بن أبي طالب على سلطان ابن عمك، ومن غلبك عليه أذلّ أحياء قريش تيم وعدي) ودعاك إلى أن ينصرك- فقلت: ( لو وجدت أعوانا أربعين رجلا من المهاجرين والأنصار من أهل السابقة لناهضت هذا الرجل)، فلمّا لم تجد غير أربعة رهط بايعت مكرها».(كتاب سليم، 302).
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه للنهج رواية مسند عن الإمام الباقر قال: «عن أبي جعفر محمد بن علي، أنّ علياً حمل فاطمة على حمار، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي: أكنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا أجهزه، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟! وقالت فاطمة: ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له، وصنعوا هم ما الله حسبهم عليه».(شرح نهج البلاغة، 6/13). ونقل نفس النص ابن قتيبة الدينوري في كتابه المعروف (الإمامة والسياسة).
وبعد هذه المناشدة الطويلة لم يستجب للأمير إلا أربعة أشخاص فقط من كلّ سكان المدينة!
قال سلمان المحمدي: «فلما أن كان الليل حمل علي فاطمة ݝ على حمار وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين، فلم يدع أحداً من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلّا أتاه في منزله فذكرهم حقه ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم إلا أربعة وأربعون رجلاً، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم ليبايعوا على الموت؛ فأصبحوا فلم يواف منهم أحد إلا أربعة، فقلت لسلمان: من الأربعة؟ فقال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام؛ ثم أتاهم علي من الليلة المقبلة فناشدهم، فقالوا: (نصبحك بكرة) فما منهم أحد أتاه غيرنا، ثم أتاهم الليلة الثالثة فما أتاه غيرنا». (كتاب سليم، 146).
وروى الكشي خبراً آخر يحوي نفس المضمون، عن أبي جعفر، قال: «جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك إلى علي فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين وأنت والله أحقّ الناس وأولاهم بالنبي، هلم يدك نبايعك، فوالله لنموتن قدامك! فقال علي: إن كنتم صادقين فاغدوا غداً علي محلقين، فحلق علي وحلق سلمان وحلق مقداد وحلق أبو ذر ولم يحلق غيرهم، ثم انصرفوا فجاؤوا مرة أخرى بعد ذلك، فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس وأولاهم بالنبي، هلم يدك نبايعك، فحلفوا فقال: إن كنتم صادقين فاغدوا علي محلقين، فما حلق إلّا هؤلاء الثلاثة، قلت: فما كان فيهم عمار؟ فقال: لا، قلت: فعمار من أهل الردة؟ فقال: إنّ عمارا قد قاتل مع علي بعد ذلك». (اختيار معرفة الرجال، 38).
وفي هذا الخبر بيان لمعنى الحديث المشهور (ارتدّ الناس إلّا ثلاثة أو إلّا أربعة أو سبعة)، إذ أنّ المراد منه ليس الردّة عن الدين بمعنى الخروج على ملّة المسلمين بل هو الرجوع عن بيعة أمير المؤمنين وعدم الوفاء بها، فليس في الخبر ما يدلّ على تكفير الشيعة لكلّ الصحابة كما يروّج البعض.
(سابعاً) نماذج من مواقف بعض الصحابة:
وردت بعض الروايات التي ذكرت نماذج من دفاع بعض الصحابة الكرام على بيت الوحي، وهؤلاء وإن كانوا قلّة إلّا أنّه كان لموقفهم الدور الكبير في الجهر بكلمة الحق واعلائها.
موقف المقداد: روى سليم في كتابه: «فقام المقداد فقال: يا علي، بما تأمرني؟ والله إن أمرتني لأضربن بسيفي وإن أمرتني كففت، فقال علي: كفّ يا مقداد، واذكر عهد رسول الله وما أوصاك به، فقمت وقلت: والذي نفسي بيده، لو أنّي أعلم أنّي أدفع ضيماً وأعزّ لله دينا لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدماً قدماً، أتثبون على أخي رسول الله ووصيه وخليفته في أمته وأبي ولده؟ فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء».(كتاب سليم، 158).
موقف أبو ذر الغفاري: ذكر سليم في كتابه:«...وقام أبو ذر فقال: أيّتها الأمة المتحيرة بعد نبيها المخذولة بعصيانها، إنّ الله يقول: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، وآل محمد الأخلاف من نوح وآل إبراهيم من إبراهيم والصفوة والسلالة من إسماعيل وعترة النبي محمد، أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، وهم كالسماء المرفوعة والجبال المنصوبة والكعبة المستورة والعين الصافية والنجوم الهادية والشجرة المباركة، أضاء نورها وبورك زيتها، محمد خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم، وعلي وصي الأوصياء وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وهو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ووصي محمد ووارث علمه وأولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله)، فقدّموا من قدم الله وأخّروا من أخر الله واجعلوا الولاية والوراثة لمن جعل الله». (كتاب سليم، 158).
موقف بريدة الأسلمي: ذكر سليم في كتابه:«...وقام بريدة الأسلمي وقال: أتثب على أخي رسول الله وأبي ولده وأنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفك؟ ألستما قال لكما رسول الله: (انطلقا إلى علي وسلّما عليه بإمرة المؤمنين)؟ فقلتما: أعن أمر الله وأمر رسوله؟ قال: نعم، فقال أبو بكر: قد كان ذلك ولكن رسول الله قال بعد ذلك: (لا يجتمع لأهل بيتي النبوة والخلافة)، فقال: والله ما قال هذا رسول الله، والله لا سكنت في بلدة أنت فيها أمير، فأمر به عمر فضرب وطرد. (كتاب سليم، 159).
 موقف أم أيمن: روى سليم في كتابه:«...فقام عمر فقال لأبي بكر -وهو جالس فوق المنبر-: ما يجلسك فوق المنبر وهذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك؟ أو تأمر به فنضرب عنقه -والحسن والحسين قائمان- فلمّا سمعا مقالة عمر بكيا، فضمهما إلى صدره فقال: لا تبكيا، فوالله ما يقدران على قتل أبيكما؛ وأقبلت أم أيمن حاضنة رسول الله فقالت: (يا أبا بكر، ما أسرع ما أبديتم حسدكم ونفاقكم) فأمر بها عمر فأخرجت من المسجد، وقال: ما لنا وللنساء...». (كتاب سليم، 159).
موقف الزبير بن العوام: وقد نقلت كتب العامة والخاصة دفاع الزبير عن منزل الوحي وكيف كسر سيفه، ونكتفي بما ذكره الطبري في تاريخه، قال: «عن زياد بن كليب قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه».(تاريخ الأمم والملوك، 2/443).
وقد نقل سليم بن قيس نصّاً يبيّن موقف المخلصين من الصحابة عند هجوم القوم على بيت أمير المؤمنين، قال: «أقبل المقداد وسلمان وأبو ذر وعمار وبريدة الأسلمي حتى دخلوا الدار أعواناً لعلي، حتى كادت تقع فتنة، فأخرج علي عليه السلام واتبعه الناس واتبعه سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة الأسلمي رحمهم الله وهم يقولون: (ما أسرع ما خنتم رسول الله وأخرجتم الضغائن التي في صدوركم)». (كتاب سليم، 387).
الخلاصة:
إذا جمعنا الحقائق التي ذكرناها أعلاه نصل إلى النتيجة الآتية؛ وهي أنّ القوم خططوا لإبعاد أهل البيت عن مقامهم الذي وضعهم الله عز وجل فيه، وبدؤوا العمل على تنفيذه في الأيام الأخيرة من حياة رسول الله بحيث رفضوا الامتثال لأمره بالخروج وبقوا في المدينة بخلاف عامة الصحابة الذين خرجوا، ثم دخلت قبيلة بني أسلم وبدأ التنفيذ!
وعليه فإنّ بقية الصحابة لم يدافعوا على بيت الزهراء سوى هذه القلة المعهودة لأنّ قسما منهم خارج المدينة وقسم آخر كان مغلوباً على أمره ولم يكن بيده شيء أمام 4000 مقاتل من قبيلة بني أسلم.