18‏/09‏/2016

كربلاء تمهيداً للظهور

الكاتب: أم عمار العجمي
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد الرابع والثلاثون، ١٤٣٦ هـ

يظن الكثير بأنّ كربلاء انتهت بقتل سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين وبقتل أهل بيته، وبسبي نسائه، وانتصر الدم على السيف إلى يوم القيامة، وخُلد ذكره أيما تخليد.
في الحقيقة هي هكذا في الظاهر؛ انتصاراً عالمياً على مرّ العصور، ولكن المتتبع والمتعمق في مفاهيم كربلاء وأحداثها وبواطنها سيجد بأنّ كربلاء هدف تمركز بخروج الحسين بطلب الإصلاح في أمة جده، وهذه هدفها الظاهري ولكن في باطنها؛ هي محوراً وتمهيداً من محاور أهل البيت عليهم السلام، يتمركز بسيّد الشهداء ونقطة انطلاقة لقيام دولة حق لأبنه المهدي عجل الله فرجه الشريف فكانت كربلاء للحسين البقاء وللمهدي الظهور، والتمهيد بدأ بالحسين وكأنه يقول لهم: بقتلي ستقوم دولة حق ليس لها مثيل وستكتمل بهذه الدولة مسيرة جدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله تعالى: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون». (الصف:٩)، وستكتمل هذه الدولة وهذا الدين بمهدينا من آل محمد، فهو يختمها وينشر العدل والحق؛ فلذا كربلاء أعمق من أن تكون معركة قتل وسفك دماء، ولذا كانت ولا تزال وستبقى كربلاء لمهدي الظهور علماً ومنبراً سينصب بها وأيما ظهور سيتمركز بها يوم عاشوراء، فكربلاء وعاشوراء لا تقتصر على ذاك الزمان وتلك الأصحاب المناصرة للحسين؛ فالحسين حينما قال: هل من ناصر ينصرنا هل من موحد يخاف الله فينا وكأنه بأبي هو وأمي: هذه صرخة لجميع العالم ولتلك الثورة ولذاك الظهور فأعدوا له كما أعد لي أصحابي، فكربلاء لا تقتصر على خصوصية معينة من البشر بل هي لكل الأحرار ولكل العالم ليستعدوا لقيام تلك الدولة العظيمة ولذا كربلاء تكون تمهيداً للظهور.
فما زالت كربلاء تعد تمهيداً للظهور من جوانب عدّة ومن صرخة أبي الأحرار سيّد الشهداء بيوم عاشوراء صرخة لتلك الجموع المناصرة ولتلك الحشود الحاقدة التي لم ترحم صغيراً ولا كبير لم ترحم قرابة الحسين من رسول الله صلى الله عليه وآله، وسبي نسائه وقتل رضيعه، أي صرخة كانت ولا تزال إلى يومنا هذا، ستظل صرخة وصيحة للحق وللباطل وإلى قيام دولة الحق وقيام الساعة ستظل صرخةً تثور بدمها، وبوجدانها، وبكل كيانها؛ وكأنها الآن صرخ بها أبي عبدالله الحسين، ماهي تلك الصرخة التي جعلت ملايين البشر في كل عام يهتفون لبيك يا حسين!  ويزحفون نحو مرقده بقلوبهم وأرواحهم قبل أجسادهم، أي صرخة تلك التي يدعوا لها الحسين في ذلك اليوم  بعد مقتل أصحابه وأهل بيته؟ من كان ينادي وهو يعلم بأنهم قد فارقوا الحياة بعد تفانيهم وبقي وحيداً فريداً؟ هل ينادي أصحابه رغم أن أجسادهم اضطربت لذاك النداء وكأنها تريد أن تعود للحياة ونصرته؟ هذه الصرخة "هل من ناصر ينصرنا" ستظل في كل لحظة تتجد هذه الصرخة، ولن تنمحي، فكأنه يقول بهذه الصرخة هي صرخة وصيحة لقيام يوم سيأتي وسينتصر فيه الحق، وإن كان في هذا اليوم قتلي وسفك دمي فيها أمهد دولة؛ فهذه الصرخة والصيحة مني تنطلق وبيوم عاشوراء أعلنها لكم فأيها العالم صرختي مهديكم انصروه فهو من ولدي يقيم الحق،  من هنا تنطلق صرختي لكم أيها الأحرار فكربلاء هي للمهدي عنوان وللعالم أسرار، وكما قال مولانا الإمام الصادق سلام الله عليه في دعائه لزوار الحسين وقاصدي أرض كربلاء: «وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا» فهاهي الصرخة استمرار مولانا الإمام الحسين عليه السلام بندائه، ومستمرة إلى يوم الظهور، لا يدرك حقيقتها وبواطنها إلا من كان قلبه كزبر الحديد ويكون في عداد أصحابي ويكون قلبه طاهراً نقياً مستعداً لصرختي يسمعها بعين القلب والبصيرة ويكون مع صاحب الحق الذي طال انتظاره لحين تكتمل أصحابه وإلى حينها سننادي جميعا بصرخة واحدة وبصوت واحد لبيك يا حسين.