18‏/09‏/2016

إثبات ولادة أمير المؤمنين عليه السلام في الكعبة

الكاتب: الشيخ أحمد سلمان
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد السادس والسابع والعشرون، ١٤٣٥ هـ

من القضايا التاريخية المهمّة والمتعلّقة بسيدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه السـلام قضيّة مولـده فـي جـوف الكعبة، حيـث أصبحت هذه الحادثة مادّة للبحث في شتّى العلوم الإسلامية: في السيرة والتاريـخ والمناقب وعلـم الكـلام بـل وحتّـى فـي كتـب التفسير والعقائد!
من هنا أردنا أن نكتب هذه السطور لنكشف النقاب عن حقيقة هذه الحادثة ونناقشها من عدّة جوانب.
    1.    في ثبوت هذه الحادثة:
لا شكّ ولا ريب عند الشيعة في ثبوت هذه الحادثة أي مولد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في جـوف الكعبة، وقـد تضافرت الروايات عندهم فيها بحيث يقطع بصحّتها وثبوتها (أمالي الطوسي709).
وقد بلغت شهرة هذه القضية أنّها حضرت في الأدب الشيعي منذ أوائل القرن الثاني، حيث يقول السيد الحميري:
ولدته في حرم الإلـه وأمنـه   **   والبيت حيث فناؤه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة   **   طابت وطاب وليدها والمولـد

أما من جهة كتب العامّة، فقد يقول قائل أنّ هذه القصّة لا أثر لها ولا عين، وقد سمعنـا قبل أيـام أحدهم يقـول: بحثت عن هذه القصّة لمدّة عشرين سنة فلم أجد لها أثرا!
والحقّ أنّ هذه القصّة ثابتة أيضا من طرقهم ولا يمكن نكيرها، وأفضل ما يدلّ على هذا هو ما ذكـره الحاكم النيسابــوري في مستدركه 3/483: فقد تواترت الاخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كـرم الله وجهـه فـي جوف الكعبة..
ومفتاح هذه العبارة هو كلمة (تواترت): إذ أنّ التواتر هو مصطلح من مصطلحات علـم الدرايـة يـراد منـه الخبـر الـذي تنقله جماعة عن جماعة بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
بل نقل السيوطي وغيره أنّ مشهور المحدثين هو اعتبار عشرة رواة في كلّ طبقة لتحقّق التواتر!
هذا بالإضافة إلى أنّ الحاكم النيسابوري ليس بالرجل العادي بل هو عالـم مـن علمـاء الحديـث وإمـام مـن أئمّـة الجـرح والتعديل ومؤلفاته تشهد بذلك علما أن لقب (الحاكم) هو مرتبة علميـة تسند لمن بلـغ أعلى درجـات الخبـرة بالحديـث والرجال.
فمن هنا نعلم أنّ قصّة مولد الإمام عليه السلام في جوف الكعبـة قد تناقلها الرواة بما لا يقل عن عشـرة طـرق للحادثـة، لكنّنـا الآن لا نجد هذه الروايات حاضرة في كتب الحديث والتاريـخ ممّا يجعلنا نقطـع بتلاعـب الأيـدي –الأمينـة- بهـذه الكتب.
فقضية مولد أمير المؤمنين عليه السلام فـي جـوف الكعبـة هـي ثابتـة مـن طـرق الشيعـة ومـن طـرق السنـة علـى حـدّ سـواء.
    1.    وقفات مع القصة الأخرى:
رغم انكار بعض أهل السنّة على الشيعة هذه القصّة، إلّا أنّنا نجد أنّهـم قـد أثبتـوا هـذه المنقبـة لرجـل آخـر مـن الصحابـة وهو (حكيم بن حزام).
فقد ذكر مسلم في صحيحه 5/11: قال مسلم بن الحجاج ولد حكيم بن حزام في جـوف الكعبـة وعـاش مائـة وعشـرين سنة.
ولنا مع هذه القضية عدّة وقفات:
    •    إنّ مسلم بن الحجّاج قد أورد هذه القصّة في صحيحه دون أن يذكر لها سندا ومن المعلوم أنّ الفارق الزمني بينهمـا أكثر من 200 سنة فلا يمكن قبول نقله بهذه الصورة، أمّا أسانيد الرواية الوارد في الكتب الأخرى فلا يمكن أن تصمد أمام النقد العلمي، فلذلك نجد أنّ عامّة الناس يتمسكون بما ورد في صحيح مسلم.
    •    من يقرأ في ترجمة هذا الرجل يجد العجب العجاب! فهو من الذين تأخر اسلامهم إلـى فتـح مكّـة أي مـن مسلمـة الفتح المعبّر عنهم بالطلقاء الذين لم يعرفوا بمنقبة ولا فضيلة!
بل إنّ هذا الرجل قد شهر سيفه في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة بدر وكان مع جيش مشركي قريش!
ومن تتبّع حياته لا يجد فيه أي جانب يجعله مميّزا عن غيره من الصحابة بحيث تكون له هذه الخصلة التي تميّزه عـن غيره من الصحابة.
    •    إنّ نفس قضية ولادة حكيم بن حزام هي في الأساس مثلبة وليست منقبة: وكانـت ولـدت حكيمـا في الكعبـة وهـي حامل فضربها المخاض وهي في جوف الكعبة فولدت فيها فحملت في نطع وغسل ما كان تحتها من الثياب عنـد حـوض زمزم ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد (المستدرك 3/483).
فنجد أنّ أمّه دخلت جوف الكعبة وأصابها المخاض فيها فنجّستها كما ذكرت الرواية ممّا استدعى غسـل أرضيـة الكعبـة بماء زمزم!
فهل أصبح تنجيس الكعبة فضيلة ومنقبة؟
بل لا يبعد أنّ أمّه دخلت الكعبة لعبادة الأصنام!
بخلاف أمّ أمير المؤمنين عليه السلام فاطمة بنت أسد رضوان الله عليـها حيـث ورد في الروايـة: أتـت فاطمة بنـت أسـد بن هاشـم أم أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت حاملة بأمير المؤمنين عليه السلام لتسعة أشهر، وكـان يـوم التّمـام، قـال:
فوقفت بإزاء البيـت الحـرام، وقد أخذها الطلق، فرمت بطرفها نحو السماء، وقالت: أي رب، إنّي مؤمنة بـك، وبـما جـاء بـه مـن عنـدك الرسـول، وبكـل نبي من أنبيائك، وبكل كتاب أنزلته، وإنّي مصدّقة بكـلام جـدّي إبراهيـم الخليـل، وإنّـه بنـى بيتك العتيــق، فأسـألُك بحـقّ هـذا البيـت ومـن بنـاء، وبهـذا المولـود الـذي في أحشـائي الذي يكلمنـي ويؤنسنـي بحديثـه، وأنـا موقنـة أنّـه إحـدى آياتك ودلائلك لمّا يسّرت عليّ ولادتي؛ قال العباس بن عبد المطلـب ويزيـد بن قعنـب، لمّا تكلّمت فاطمة بنت أسـد ودعـت بهذا الدعاء، رأينا البيت قد انفتح من ظهره، ودخلـت فاطمـة فيـه، وغابـت عــن أبصارنا، ثم عادت الفتحـة والتزقـت بـأذن الله تعالى، فرمنا أن نفتح الباب ليصل إليها بعض نسائنا، فلم ينفتـح البـاب، فعلمنا أنّ ذلك أمر من أمر الله تعالى.فمن هنا نعلم أنّ قصّة ولادة أمـير المؤمنين وسيّد الموحّدين عليه السلام في جوف الكعبـة محـلّ اتّفاـق بين الفريقـين، أمّا قضيـة ولادة حكيم بن حزام فهي من اختراع الوضّاعين والكذابين لكي يطمســوا هذه المنقبة العظيمة لفاطمة بنت أسـد رضوان الله عليها.
ولعلّ هذه القصّة هي مصـداق للسياسة الأموية القاضية بمعارضـة كـلّ منقبـة وردت للأمـير عليـه السـلام بأخـرى فـي الصحابة!
فقد روى ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 11/45: ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمـان قـد كثر وفشـا في كـل مصـر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركـوا خبـرا يرويه أحد من المسلمين في أبى تراب الا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا أحب إلى وأقر لعيني وادحض لحجـة أبى تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله.