18‏/09‏/2016

جرح البقيع النازف!

الكاتب: د. رضا بن عيسى اللواتي
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد الثامن والعشرون، ١٤٣٥ هـ
 
كلما سمعت اسم البقيع، أو مر على خاطري اسم هذه المقبرة التاريخية، أو قرأت شيئـاً عـن البقيـع الغرقـد، لا أتمالـك نفسي وتنسكب عبراتي، فجرح البقيع لا يزال ينزف إلى يومنا هذا، ولمَّا يندمل بعد. لقد دفنت في هـذه البقعـة المباركـة من الأرض أجساد خير البشر بعد جدهم النبي المصطفى صلى الله عليه واله وسلم، أجساد بشرٍ تجلى فيهم كمـال الله جل جلاله، وتجلت فيهم عظمته سبحانه وتعالى، أئمة حق أربعة دفنوا في هذا المكان.
البقيع الغرقد مقبرة تاريخية دفن فيها كما تروي المصادر التاريخية عشـرة آلاف مـن الصحابـة وبعـض زوجـات النبـي صلى الله عليه واله وسلم، ولكن ما شرفها ورفع مكانتها ومنزلتها هـو دفـن أوصيـاء رسـول الله صلـى الله عليـه وآلـه وسلم، الإمام الحسن المجتبى السبط، والإمام علي بن الحسين زين العابدين السجـاد، والإمـام محمـد بن علـي الباقـر، وأخيرا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهم الصلاة والسلام، ودفنت فيها أيضا أم البنين زوجة أمير المؤمنين علـي ابـن أبي طالب عليهم السلام.هذه المقبرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتيها في آخر الليـل ويدعـو لأهلهـا بقوله: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنـا إن شاء الله بكم لاحقـون، اللهـم اغفـر لأهل بقيع الغرقد" لم تسلم من بطش الجبابرة وأحفاد الطلقاء أبناء الطلقاء، فأسلافهم حاربوا ائمة أهل البيـت عليهـم السلام وفكرهم في ذلك الزمن، وهم الآن يحاربون أجساد ائمة أهل البيت عليهم السلام وقبورهم وفكرهـم وشيعتهـم.
إن يوم الثامن من شهر شوال من عام 1344 من الهجرة النبوية يوم يندى له الجبيـن وتدمـع لـه العيـون، فهـو اليـوم الذي اعتدى فيه التكفيريون أبناء الطلقاء على جميع ما يمت للتاريخ الإسلامي بصلة من مراقد لأبناء رسول الله صلـى الله عليه واله وسلم، ومراقد أحفاده وأصحابه وأهل بيته في كل بقعة من بقاع الحجاز، ولو وصلت ايديهم إلـى غيرها لقاموا بهدمها أيضا، وذلك أمام مرآى ومسمع من المسلمين في شتى بقاع العالم، ومن دون احترام لمشاعر هؤلاء والذين تعيش قلوبهم وعقولهم على حب النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم وعلى حب أهل بيته عليهم السـلام.
هؤلاء المعتدون قاموا بفعلتهم الشنيعة من غير أن يراعوا حرمـة لرسـول الله صلـى الله عليـه وآلـه وسلـم أو احترامـاً لحرمة الموتى وهم يروون في صحاحهم وكتبهـم قـول النبـي الاعظـم صلـى الله عليـه وآله وسلـم: "حرمـة المسلـم ميتاً كحرمته وهو حي سواء"، هم لم يراعوا هذه الحرمة حتى وإن كان هذا الميت سبطا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإلى الآن لا تزال هذه المقبرة في طي النسيان، فهي لا تزال مهدومة، ولا تزال القبور فيها غير مبني عليهـا، ولهـا أوقـات زيارة محددة، هذا التعامل السيء والجفاء مع أحفاد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا يزال مستمــراً إـلى يومنـا هذا. ولست أدري كيف لأمة هدمت ماضيها وتاريخها وجعلته في طي النسيان، كيف لها أن تحيى وتصنـع مستقبلهـا، وما النكبة التي تعيشها أمة الإسلام في هذه الأيام إلا نتيجة حرب هـؤلاء على ماضي الأمـة الإسلاميـة بكـل مـا يحتويـه من معانٍ سامية.ولعلنا نستطيع أن نعلن استنكارنا لجريمة هدم قبور البقيع الغرقد بـ"يوم البقـيع العالمـي" في الثامـن من شهر شوال من كل عام، ليكون لنا تذكرة وموعظة، ولكي نتذكر مظلومية أهل البيت عليهم السلام، ونخـبر الأجـيال اللاحقة بهذه المظلومية ونعلنها صرخة مدوية كما قال الشاعـر: "قـُل للّـذي أفتـى بهـدم قبورهـم .. أن سـوف تصلـى في القيامة نارا".