18‏/09‏/2016

دُعبل الخزاعي.. الهجّاء المُقدّس

الكاتب: عادل الموسوي
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد الرابع والثلاثون، ١٤٣٦ هـ

في خضم جمع غفير خُلِطوا بين موالٍ ومعادٍ لأهل البيت عليهم السلام، يرأسهم رأس الكفر في زمانه، وسيّد الطواغيت الغاصب للشرعية المأمون -لعنه الله-، وسيّد الإيمان، وخليفة الرسول صلى الله عليه وآله، وسلطان المؤمنين الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليهما؛ برز رجل من بني خُزاعة، مشهور الإيمان، قوي الجنان، عظيم الشآن؛ هو دعبل بن علي رضوان الله عليه الهجّاء ذو الهجاء المقدّس، الشاعر الذي نطق روح القدس على لسانه، والمزكى من قبل إمام زمانه، نطق بشعر لا يكاد مجلس أهل أي زمان من بعد إلقاءه أن لا يذكر شعره!
تتجدد ذكراه هو وشعره في كل سنة أيام عاشوراء خصوصاً بذكر تائيته المشهورة؛ رثاءاً على سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.

هجاءاً سليط اللسان على أئمة الكفر:
- يقول أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني عن دعبل الخزعي رضوان الله عليه: «هجّاء خبيث اللسان، لم يسلم منه أحد من الخلفاء، ولا من وزرائهم، ولا أولادهم، ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن! ولا أفلت منه كبير أحد! وكان من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي، ولم يزل مرهرب اللسان»! (الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني، ج٢١٨، ص٢٩).
دققوا في قوله: «لم يسلم منه أحد»، «لم يزل مرهوب اللسان»!
نعم كان المخالفون يرتعبون منه؛ لأنه لا يعطي أحد منهم -أي أئمة الكفر والنفاق- مساحة أو سعة، فكان يهجوهم ولا يرحمهم ويعريهم ويفضحهم!
- يقول ابن خلكان: «كان شعاراً مجيداً، إلا أنه كان بذيء اللسان مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس، وهجا الخلفاء فمن دونهم، وطال عمره فكان يقول: «لي خمسون سنة أحمد خشبتي على كتفي، أدور على من يصلني عليها فما أحد من يفعل ذلك». (وفيات الأعيان، لابن خلكان).
كان يعلم رضوان الله عليه أنه سيُقتل لا محالة إثر أشعاره الحادّة وبالفعل قد نالَ مطلبه؛ وهي الشهادة حيث أُغتيل بالسم.
- يقول ابن المعتز في طبقات الشعراء: «قيل للوزير محمد بن عبدالملك الزيات: لِمَ لا تجيب دعبلاً عن قصيدته التي هجات فيها؟
قال: إنّ دعبلاً جعل خشبته على عنقه يدور بها، يطلب من يصلبه بها دون أن يبالي»! (طبقات الشعراء، لابن المعتز، ص١٢٥).
نعم.. هكذا كان دعبلاً، لا يبالي الموت أوقع عليه أو وقع هو عليه، وهكذا يجب أن يكون الموالي يُهاب ولا يَهاب.. فرحم الله دعبلاً.

أبياتٌ نُسيت من تأئيته المقدّسة:
إنّ التائية التي سبق الكلام عنها في مقدمة المقال قد حظت بتبريك وتزكية من الإمام الرضا عليه السلام حيث ألقيت بمحضره الشريف.
والإمام حين سمعها بكا بكاءاً وقال: «يا خزاعي! نطق روح القدس على لسانك» بل إن الإمام الرضا عليه السلام قد أكمل القصيدة بأبيته من نظمه.
وليس ذلك فحسب، بل إنه صلوات الله عليه قد قال لدعبل بعد انتهائه من القصيدة أحسنت ثلاث مرات، ثم بعث الإمام له مع خادمه صرّة فيها عشرة آلاف درهم عليها اسم الإمام الرضا عليه السلام، ومع ذلك خام الإمام وجبته الشريفة التي صلى الإمام بها  ألف ركعة وختم فيها القرآن.
وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على عظمة القائل والمقولة -أي الشاعر والشعر-.
وإنها مباركة من الإمام الذي لا ينطق عن الهوى، أي أنّ الشاعر والشعر معاً قد حظوا بالتأيد الإلهي!
ولكن ما الذي خُفيّ أو كان محل محاولة طمس من هذه القصيدة التائية الخالدة؟
هي تلك الأبيات التي يهجو فيها دعبل أهل النفاق والشقاق والكفر.
يقول دعبل:
 هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه

ومحكمـــه بالـزور والشبـهــات

 وما سهلـت تلـك المذاهـب فيهـم
علــى النـاس إلا بيعـة الفلتات

 وما قيل أصحاب السقيفة جهرـة
بدعوى تراث في الضلال نتات

 ولو قلدوا الموصى إليـه امورهـا
 لزمت بمـأمـون علــى العثـرات

فهل يا تُرى سنُظهرها ونحذوا حذوه بفضح أهل السقيفة دون خوف؟