18‏/09‏/2016

الشفاعة بين المشروعية والتحريم

الكاتب: حسين عيسى
الناشر: مجلة نور آل محمد الصادرة عن هيئة اليد العليا في الكويت، العدد الثامن والعشرون، ١٤٣٥ هـ

كثيراً ما يدور اللغط من قبل المخالفين من الخط الوهابي والواقعين تحت تأثيرهم الفكري مـن جهـة وأتبـاع أهل بيت العصمة وبعض المخالفين كالأشاعرة مثلاً من جهة أخـرى علـى مشروعيـة مسـألة الشفاعـة فيقـول السلفية بتحريمها بالرغم من تواتر الآيات القرآنية الدالة على  استحبابها فضـلاً عن مشروعيتهـا، ولعلهـم وظفـوا آيـات في غير محلها ضاربين بعرض الحائط أبسط أبجديات اللفظ السليم للآيات الشريفة لغويـاً ومتجاهليـن للأثـر النبوي صلى الله عليه وآله الدال على مشروعية الشفاعة كما أشارت على ذلك الروايات الواردة في أصـح الكتـب عندهم كما يدعون! إذن فأين الخلل؟
شفعاء من دون الله!
الشفاعة لغة: عن أحد فقهاء العربية وعلماؤها -الراغب الإصفهاني-: الشفع ضم الشيءإلى مثله ويقال للمشفـوع شفع. والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثر مايستعمل في انضمام من هو أعلـى حرمـة ومرتبـة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة يوم القيامة لقوله تعالى: «لايملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهـدا» أي يدبر الأمر وحده لا ثاني له في فصل الأمر إلا أن يأذن للمدبرات والمقسمات من الملائكة فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه. (كتاب المفرات للراغب، صـ263).
ففي القرآن الكريم قال تعالى: «أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لايملكون شيئا ولا يعقلـون» فيتكرر اطلاق لفظ عبارة الشفعاء على الآلهة المزعومة وذلك في عدة آيات ومنها قوله تعالى: «ومانـرى معكم شفعائكـم الذين زعمتم أنهـم فيكـم شركـاء»، وقولـه: «ويعبـدون مـن دون الله ما لايضرهـم ولا ينفعهـم ويقولـون هـؤلاء شفعاؤنا عند الله»، وقوله: «ولايملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق».
يتضح من الآيات السابقة إن الاعتقاد بالشفيع في نفسه لا يمكن أن يكون موجباَ للوقـوع فـي الشرك نظـراَ لإقرار القرآن الكريم بوجود شفعاء غير الله من البشر لكن بعد إذنه.
قال تعالى: «يومئذ لا تنفع الشفاعة من أذن له الرحمن»، وقوله تعالى: «ولايشفعـون إلا لمن ارتضى»; فمـع هـذه الأدلة الدامغات فما عساهم فاعلون؟! والسؤال الذي يطرح نفسه: ماعلاقة مفردة الشفاعة بالتوحيد ونقضه كما يقول بذلك المخالفون؟ وهل بعد اتخاذ الشفيع من دون أن شركاً؟!
بل أيكون بعدما أسردنا من دلائل على مشروعية الشفاعة أن يكون ذلك موجباً للشرك كما يظن هؤلاء؟!
ما معنى التوحيد؟
التوحيد هو هو الاعتقاد بأن الخالق والدبر والضار والنافع هو الله وحده لاشريك له ولازم ذلك ألا تكون العبادة إلا له أي لا يقصد الإنسان غيره عز وجل في النسك والعبادات.
والشفاعة كما أسلفنا لا تلتقي مع التوحيد ولا يضاده في شيء بتاتاً حيث إذ فـي حقيقتهـا تشـير لعـدم الاستقلال لأنها تعني طلب الشفيع من المستشفع إليه وعدم استقلالية الشفيع في شيء، نعم يمكن أن يقال شفاعة أذن الله فيها وشفاعة لم يأذن بها وتعبير لم يأذن الله يتكرر في القرآن بهذا  اللحاظ.
الواضح أن عبـارة شفعـاء من دون الله تختلـف عن باقـي العبـارات كشركـاء من دون الله، وآلهـة من دون الله، وأولياء من دون الله، فمن دون الله شفعـاء، هـي إمـا أن يكـون المقصـود من عبـارة من دون الله من دون إذن الله، خلافاً للموارد السابقة التي قصد بها شركاء مع الله وآلهة مع الله وأولياء مع الله، إذ لايصح أن نقول شفعاء مع الله ﻷن الله نفسه ليس شفيعا بل مستشفع إليه.
عليه; فإنّ وصف الآلهة بأنهم شفعاء من دون الله ينطلق من كونها في الأصل وصـف لآلهتهـم، فهـي آلهـة وشفعاء.
عليه; فإنّ وصف الآلهة بأنهم شفعاء من دون الله ينطلق من كونها في الأصل وصف لآلهتهم، فهي آلهـة وشفعاء قال تعالى: «أاتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً»; فربوبيتهـا شـيء وشفاعتهـا شيء آخر فأصبح القرآن في بعض الموارد يستخدم هذا الوصف أي شفعاء بـدل الآلهـة وأصبحـت عبارة مـن دون الله شفعاء تحل محل عبارة من دون الله آلهة.
ونهاية الموجب للوقوع في الشرك الإعتقاد بربوبية وألوهية الموصـوف بأنـه شفيـع، ولكـن حيثيـات الطلـب منهـا اختلفت، فلأنها لها سمة الربوبية وتطلب منها الحوائج مباشـرة ولأنهـا شافعـة -كما يعتقدون- عند الإلـه الأكبـر تطلب منها الشفاعة، كذلك لا يضر هذا التصوير الحصر الموجود فـي الآيـة الكريمـة: «مانعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى»; فعبادتها بقصد التقرب إلى الله لا يعني انتفاء أدوار أخرى لها حسبمـا يزعمون وأهمها طلب النصرة الذاتية وليس هذا الطلب بمجرده عبادة، كما هو ملاحظ فيما أسردناه آنفاً بأنّ لا موجب للشرك في كل الحيثيات التي استعرضناها معكم.
هذا ما ينبغي أن يقال بناء على أن ألوهيتها تنطلق حسب مزاعم المشركين من أنهـا تضـر وتنفع في ذاتها مستقلاً عن الله في خصوص ماتقدر عليه بنفسها لذا هي ولية ناصرة وهي بلحاظ آخر شافعة فـي الحاجات التي لاتقدر عليها بنفسها بل هي بيد الله الإله الأكبر، وهذه الشفاعـة هـي التـي تمسـكوا بهـا لتبرير عبـادة الآلهـة الصغـيرة عندما أشكل عليهم بأن عبادتها لا وجه لها مع إقرارهم بالله الإله الأكبر.
ومع كل هذه الأدلة لا ينبغي للعاقل إلا أن يعرض عن سفاهـة القـول بعـدم مشروعيـة الشفاعـة لانتفاءهـا مـع الأدلية العقلية ناهيك عن النقلية التي لم أتعرض لها لكثرتها وأولوية تبيان الألفـاظ وتـرك واردات الأثـر لمـن أراد بعد بحثنا هذا أن يلقي السمع وهو شهيد.