10‏/07‏/2017

تقرير: كعب وبولس.. شيطانان محرِّفان للدِّيانة! ــ الشيخ محمد الميل

أشرع اليوم بإحداث مقاربة منهجية بين شخصيتين من شخصيات التاريخ تفصلهما مسافة زمنية متباعدة، إذ أن الشخصية الأولى تعيش في العصر المسيحي الأول، بينما الشخصية الثانية عاشت في عصر الإسلام، وأريد من خلال هذه المقاربة أن أبيّن أن الفكر اليهودي المحرّف والمنحرف قد نالَ نصيبا من الإسلام، أي أن الإسلام قد دخل فيه ما ليس منه، دخلت فيه اليهوديات والإسرائليات وما إلى ذلك، وهذا ما قد تنبأ به أئمتنا عليهم الصلاة والسلام إن صح إطلاق لفظ تنبأ، ففي رواية عن المعصوم عليه الصلاة والسلام قرر فيها أن الإسلام سوف يهوّد ويمجّس وينصّر من قبل رجلين، الرواية هذه عن إسحاق بن عمار عن إمامنا موسى بن جعفر عليهما الصلاة والسلام أنه قال: هما -أي أبي بكر وعمر- والله نصرا وهوّدا ومجّسا فلا غفر الله لهما، يرويها العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، فإذا من خلال هذه الرواية، ومن خلال روايات أخر، نعرف أن الإسلام سيمسه مثلما مسّ الأديان السماوية السابقة، إذا كان دين عيسى عليه السلام قد مسّه ما مسّ دين موسى، فكذلك الإسلام بتقرير الأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام، والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله على رأسهم، بيّنوا أن هذا الدين سيمس بالتحريف، سيغيّر ويبدّل، مع الاحتفاظ ووجود النسخة والواجهة الصحيحة للإسلام.
هذه الشخصية التي نريد أن نتناولها اليوم، ونقارنها بشخصية أخرى هي شخصية كعب الأحبار، ولعل عامة المسلمون اليوم حينما يسمعون هذا الاسم لا يعده غريبا على مسمعه، فلعله سمع هذا الاسم كرارا، إما من خلال مرويات قد رويت عنه كما كان يروي أبو هريرة عن كعب، وعمر بن الخطاب وعائشة وهلم جرى.. والشخصية الأخرى التي نريد أن نقاربها بكعب هي شخصية بولس الرسول الذي كان في العصر المسيحي الأول.
كعب الأحبار هذا يهودي الأصل كما كان نظيره بولس، وكعب الأحبار عاش في العصر الإسلامي، بينما بولس عاش في العصر المسيحي الأول، وكعب حرّف الدين الإسلامي وهوّده، وبولس حرّف الدين المسيحي ونصره.
كذلك هاهنا لا بد أن نتقدّم بتوطئة بسيطة مقتضبة حتى يفهم الآن المستمع من خلال هذه المقدمة ما نريد أن نصل إليه من نتيجة من خلال هذه المقاربة المنهجية بين دور بولس وكعب في تحريف الدين، فحريٌ على المطلع أن يتسائل كيف لشخص واحد أن يغيّر شريعة كاملة بالمكر والخديعة والدَسيسَة؟ نقول أن لهاتين الشخصيتين (كعب وبولس) مقومات وأجندة مدروسة ومحكمة مكنتهما من أن ينفذا إلى الدين الصحيح، أولى هذه المقومات والأجندات كانت الاندساس في الدين بزي هذا الدين، يعني مثلا بولس حينما دخل إلى النصرانية تلبّس بلباس المسيح، كذا الحال بالنسبة لكعب، كعب حينما اعتنق الإسلام وادعى أنه انتمى إليه وآمن بالله تبارك وتعالى العظيم كذلك لبس ما يلبس المسلمون عامة، نطق بأبجدياتهم وأسلوبهم ومنطقهم، فلذلك استطاع أن يخدع جملة من المسلمين آنذاك.
المقوم الآخر هو استغلال كبار الشخصيات، يعني مثلا كاستغلال كعب لعمر وجعل كعب من عمر منبرا ليبث من خلاله سمومه، كذا الحال بالنسبة لبولس استغل أصحاب عيسى عليه السلام.
الأمر الآخر أن الظفر بالباطل لا يكون إلا مع وجود امتيازات هذه الامتيازات إما تكون المكر أو الشيطنة أو القوة المادية، أحيانا يستطيع الإنسان أن يحرّف مسيرة معينة أن يقتحم دين أو منظمة أو جماعة بشرية ويغيّر هذا الفكر من خلال قوته المادية، لأنه يستطيع من خلال هذه المقومات أن يغري أصحاب هذا الدين، والقيادات والساسة فيبدّل ويلعب كما يشاء، كذلك هناك أمر آخر، وهو الشيطنة والدسيسة كما كان معاوية لعنه الله، فقد كان رجلا يمتلك هذا الأسلوب، أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس!
القارئ لسيرة بولس وكعب يجد بأنهما حازا على أمور ثلاثة، وأقصد بحازوا أن هنالك صفات شخصية امتلكوها، الأمر الأوّل أنهما كانا فاعلين، يمتلكون الفاعلية فلا ملل ولا كلل بل حركة دائمة وعمل دؤوب. الأمر الثاني أنهما كانا شديدي المكر والدهاء. والثالث:  أنهما كانا يمتلكان قدرة على البيان والتعبير، ويُرْوى عن بولس أنه كان يسحر المستمعين له بقوّة صياغاته للعبارات، وصبّها في قوالب بلاغية.
هذه بالنسبة للمقدمة، أن بولس وكعب امتلكا هذه الصفات التي مكّنتهم من النفاذ واقتحام الإسلام واقتحام الدين المسيحي ليحرّفوا ويبدّلوا فيه كيفما شاؤوا.
الآن نريد أن نشرع في تناول شخصية كعب، وبعد ذلك نريد أن نبيّن دوره في تحريفه للإسلام.. ماذا فعل كعب؟ كيف حرّف الإسلام؟ بأي طريق حرّف الإسلام؟ ومدى تأثيره على المسلمين سواء كان هذا التأثير على ذلك العصر الذي أدركه أو الذي تلاه؟
فإذْا نقف الآن على ترجمة كعب بشكل مقتضب لنبيّن للمستمع أهمية هذه الشخصية عند أبناء المخالفين خصوصا، وأنا الآن حينما أتحدّث وأستند على روايات، سأستند على روايات المخالفين بطبيعة الحال، لأن دين أهل البيت عليهم الصلاة والسلام دين محصّن متين، فنحن الشيعة لا نأخذ إلا عن طريق أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، ونحن عندنا حالة من نقد التاريخ وتنقيحه، ولا نأخذ إلا ما يتصل بأهل البيت سواء من تفسير أو أمور اعتقادية أو فقهية، أما بالنسبة للمخالفين نجدهم يأخذون من مثل كعب وعمر بن الخطاب وغيرهم من الأراذل الذين ساءت سريرتهم ومسيرتهم.
بالنسبة لترجمة كعب يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: هو كعبُ بن ماتعٍ الحِمْيَريُّ اليَمَانيُّ، الحَبْر، الذي كان يهوديًا فأسلمَ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينةَ من اليمنِ في أيام عمرَ رضي الله عنه، فجالس أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فكان يُحدِّثُهُم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائبَ، ويأخذُ السُّنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام، متينَ الديانة، من نُبلاء العلماء.
يصفه بأنه حبرا، وكان كعب متخذا هذه المنهجية بأن يجلس مع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ويحدّثهم ويُكثر من إخبارهم عن الكتب الإسرائيلية، فإذا نفهم من هذا الكلام أن لكعب مكانة عند أبناء المخالفين، ليست شخصية عادية ليست ذات تأثير.
كذلك يترجم له ابن جحر العسقلاني في الإصابة فيقول: كعب الأحبار تابعي ثقة، وكان من علماء اليهود، عنده علم غزير، وله اطلاع على كتب بني إسرائيل وكان يحدّث بأشياء كثيرة منها.
لعله هنا يطرح سؤال بأنه لماذا يعتبر كعب تابعيا ولا يعتبر صحابيا رغم أنه أدرك النبي صلىى الله عليه وآله، نقول لأنه أسلم بعد استشهاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، والشرط عند المخالفين في اعتبار الصحابي صحابيا هو من أدرك النبي في حياته مؤمنا به ومات على الإيمان.
أما بالنسبة لكعب لم يعتبر صحابيا لأنه أدرك النبي لكنه لم يؤمن برسالته في حياته، وعلما بأن هذا من علامات الاستفهام على كعب، حيث أنه لم يؤمن في زمن ملاقاته للنبي بالإسلام، فلما بُعيد استشهاده أعلن اعتناقه للإسلام؟!
هذا فيما يتعلّق بترجمة كعب الأحبار، وهنا جدير بنا أن ننوّه بأسماء أبرز من رووا عن كعب، هم: معاوية، أبو هريرة، عائشة، عمر. هذه الكوكبة التي روت وكان سندها متصلا بكعب الذي كان يهوديا وأسلم بعد إسلام هؤلاء أصلا! يعني بدلا من أن تنقلب المعادلة فيكون هؤلاء معلمو كعب، ويتتلمذ كعب عندهم، تنقلب المعادلة فيتتلمذ عمر وعائشة ومعاوية عند كعب!
الآن نريد أن نبين دوره في تحريف الإسلام، ما هو دور كعب في تحريفه للإسلام؟
أولا عمر بن الخطاب كان منبر كعب في بث السموم وإدخال التحريف، يقول محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية: لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه، أخذ يعمل بدهاء ومكر لما أسلم من أجله، من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.ومما أغراه بالرواية أن عمر بن الخطاب كان في أول أمره يستمع إليه على اعتبار أنه قد أصبح مسلما صادق الإيمان، فتوسع في الرواية الكاذبة ما شاء أن يتوسع.
كذلك يصف الدكتور طه حسين كعب الأحبار فيقول: كان غريب الأطوار، عرف كيف يخدع كثيراً من المُسلمين ومنهم عمر… وكان بارعاً في الكذب على المُسلمين يزعم أنه يجد صفاتهم في الكتب، وكان المُسلمون يُعجبون بذلك ويتعجبون له، وما لبث أن كذب على عمر نفسه فزعم أنه يجد صفته في التوراة، فعجب عمر وقال: تجد اسم عمر في التوراة؟ قال كعب: لا أجد اسمك ولكن أجد صفتك!
كذلك في كتاب فجر الإسلام لأحمد أمين: وفي هذا العصر -أعني عصر التابعين- تضخم التفسير بالإسرائيليات والنصرانيات لكثرة من دخل منهم في الإسلام، وميل النفوس لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية ونصرانية.
هنا عندنا مقولة لابن كثير في تفسيرة القرآن العظيم جدير أن نقف على هذه المقولة بشكل دقيق ونتأمل في هذه العبارة، حتى نعرف كيف أن الله تبارك وتعالى يفضح أبناء الفرقة المخالفة من خلال لسان الزعماء عندهم، يقول هنا ابن كثير: وهذه الأقوال -والله أعلم- كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدّث عمر رضي الله عنه عن كتبه، فربما استمع له عمر رضي الله عنه، فترخّص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا عنه غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة -والله أعلم- حاجة إلى حرف واحد مما عنده.
كعب الأحبار استولى على عمر بن الخطاب وهذا واضح من خلال اعترافات أبناء الفرقة البكرية، ومن خلال السيرة التاريخية، فكان عمر بن الخطاب يسمح لكعب بتلاوة التوراة المحرَّفة، يعني بدلا من أن يسمح ويأمر ويجمع على تلاوة القرآن وأحاديث النبي، يفعل العكس، يجمعهم ليجعل كعبا يحدّثهم ويفتي من التوارة!
مثلا نجد هنا في تاريخ الذهبي: مدح كعب الأحبار أبا هريرة فقال: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. وفي الطبقات الكبرى لابن سعد: فدهلت بعد ذلك المسجد فإذا هو جالس إلى كعب وبينهما سفر من أسفار التوارة، وكعب يقرأ! ورُوي عن عمر أنه قال لكعب: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران بطور سيناء فاقرأها آناء الليل ، وآناء النهار!
نحن لا نسبعد مثل هذا الأمر من تلميذ كعب، إذْ أن عمر بن الخطاب كان تلميذا مطيعا لكعب الأحبار وينهل منه! في أثر أهل الكتاب يقول الدكتور جميل في كعب: رأى الإسلام يعلو ويفشو أمره لا يقف في سبيله دين ولا قوة فأسلم وهو على يقين من أن إسلامه سيكسبه عزا لم يكن له في قومه وبين اليهودية في عهده، وكان يقرأ التوارة بلسان غير لسان العرب. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له وتعجبا مما عنده.
ليس فقط هذا لا تتعجبوا! فإن عمر بن الخطاب كان يطلب من كعب الأحبار الوعظ في المسلمين، كأن المدينة خُليت ممن يعظ عمر! في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني: كنت عند عمر فقال لي: يا كعب خوفنا، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أليس فيكم كتاب الله تعالى، وحكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، ولكن خوفنا يا كعب.
هذا فيما يتعلّق بدور كعب في تحريفه للدين الإسلامي وإدخاله للإسرائيليات والخرافات، الآن نأتي لبولس.. من هو بولس؟ بولس الذين كان اسمه (شاول) عندما كان يهوديا.
هو مؤسس النصرانية الحالية، فالدين الحالي هو دين بولس، ونصارى اليوم بجميع طوائفهم يتبعون بولس ويدعونه رسولا، و لبولس الرسول مكانةً متألقةً وضَّاحةً في قلوب النصارى، بل المُدقِّق يعرف أن مكانته أعلى من المسيح بن مريم عليه السلام، وكلماته مقدَّمة على كلماته وتعاليمه، بل وصار نفاذًا كلامه أكثر من وصي عيسى الشرعي، ويُحاول المنحرفون من النصارى المتبعين لبولس تبرير خطاياه القبيحة وتأويلها محاولةً منهم لتحسين صورته! وإن الولوج في ترجمة بولس طريق عَسِر إذْ لا توجد وثائق تاريخية يمكن الاعتماد عليها، لكن بشكل عام، إن حياة بولس على مرحلتين، المرحلة الأولى هي مرحلة الإجرام والبَطش، إذْ كان نَقِمًا على المسيحيين، كارهًا لهم، ساعيًا لإبادتهم ودينهم، وقد تتلمذ عند علماء اليهود المتعصبين اليهود الذين شكّلوا مجلس يُعرف بـ(عمائيل) التي كانت مهمته محو اسم المسيح وأتباعه، فلما لما رأى أن التنكيل لا يجدي معهم، اتخذ أسلوبًا آخر. والثاني هو الإيمان -إن جاز التعبير-، وهو القسم الأكثر إثارة وغرابة، إذْ خاضها دون توطئة تعرف، ولم يكتف بادعاءه بالهداية، بل اعتبر نفسه رسولًا للمسيح، وروح المسيح قد حلَّ فيه! وأن عيسى صُلب تكفيرًا لخطايا البشر، في يومٍ وليلة.. محَّض الإيمان محضا!
أما لدوره في تحريف المسيحية، فما  ما صدّق أرباب الكنائس والمؤمنين بعيسى ببولس إلى أن شهد (برنابا) على صدقه فصدقوه، وحينها بدأ خطته في نسف المسيحية الأصلية، ومبادئها العيسوية، فهو الذي قال أن عيسى هو الرب، وتارة أخرى قال لهم أنه ابن الله! إذًا يمكن أن نقول أن عمر هو برنابا الإسلام!
فإذًا نحن بين شخصيتين من شخصيات التاريخ، الأول كان في العصر الإسلامي، والثاني كان في العصر المسيحي الأول، كلاهما امتلكا تقريبا نفس الصفات التي مكّنتهم من النفوذ إلى الدين الصحيح لتحريفه، وكان ذلك بفضل أعضاء كانوا في الإسلام استغلوا فمكّنوا هؤلاء من أن ينفذوا في الإسلام.


(نستقبل تقريرا منقحا لما نُشر أعلاه).